ابن الجوزي
395
كتاب ذم الهوى
إليهم فإذا فيهم فتى أبيض حسن الوجه وقد علاه الصفار ، وبدنه ناحل ، وهم يمسكونه . فسألتهم عنه ، فقالوا : هذا قيس الذي يقال له المجنون ، خرج به أبوه لما بلي به يستجير له ببيت اللّه الحرام وقبر محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام ، فلعلّ اللّه أن يعافيه . قلت لهم : فما لكم تمسكونه ؟ قالوا : نخاف أن يجني على نفسه جناية تتلفه . قال : وهو يقول لهم : دعوني أتنسّم صبا نجد . فقال لي بعضهم : ليس يعرفك ، فلو شئت دنوت منه فأخبرته أنك قد قدمت من نجد وأخبرته عنها . قلت : نعم أفعل . فدنوت منه ، فقالوا : يا قيس هذا رجل قدم من نجد . قال : فتنفّس حتى ظننت أن كبده قد تصدّعت . ثم جعل يسائلني عن موضع موضع وواد واد ، فأنا أخبره ، وهو يبكي . ثم أنشأ يقول : ألا حبّذا نجد وطيب ترابه * وأرواحه إن كان نجد على العهد ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا * بطول التّنائي هل تغيّرتا بعدي « 1 » وعن جارتينا بالبتيل « 2 » إلى الحمى * على عهدنا أم لم يدوما على العهد وعن علويّات الرياح إذا جرت * بريح الخزامى هل تهبّ على نجد وعن أقحوان الرمل ما هو صانع * إذا هو أثرى ليلة بثرى جعد « 3 » أخبرنا ابن أبي منصور ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن ، قال : أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : قال محمد بن زياد بن الأعرابي : لما شبّب المجنون بليلى ، وشهر بحبها ، اجتمع إليه أهلها ، فمنعوه من محادثتها ، وزيارتها ، وتهدّدوه ، وأوعدوه بالقتل ، فكان يأتي امرأة فتعرف له خبرها ، فنهوا تلك المرأة عن ذلك ، فكان يأتي غفلات الحي في الليل . فلما كثر خرج أبو ليلى ومعه نفر من قومه إلى مروان بن
--> ( 1 ) العوارضة : جبل بأعلى بلاد طيئ ، وقنا جبل بطيئ . ( 2 ) البتيل : جبل بنجد . ( 3 ) الجعد : النّدي .